الأثنين 8 أبريل 2013 13:35
التصنيفات: اقتصاد, المشهد الحر, سياسة, مجتمع, مقالات رأي,
المشهد التونسي – رأي- محمد المبروك
وُجدت الأحباس منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم وهي أملاك يقع حبس ثمارها على أعمال خيريّة مثل صيانة مسجد أو تعليم القرآن و العلوم أو إيواء عابري السبيل… طلبا لتزكية الأموال لنيل مرضاة الله.
كانت الأحباس في تونس قبل العهد البورقيبي تنقسم إلى قسمين: أحباس عامّة مثل حبُس جامع الزيتونة أو المعهد الصادقي, و أحباس خاصّة متكوّنة من عقارات أو مزارع زيتون تُسخّر مداخيلها لأغراض خيريّة.
مع الأسف, في عهد الاستعمار الفرنسي قام المثقّفون المتأثّرون بالدعاية الفرنسيّة ضدّ الإسلام بتشويه دور الأحباس و ادّعوا أنّها أموال مُجمّدة لا تشارك في الدورة الاقتصاديّة و أنّها تموّل ثقافة دينيّة منحطّة لا تتماشى مع الحداثة.
نتيجة هذا التشويه المغرض, أصدر النظام البورقيبي أمرا في إلغاء الأحباس العامّة و الخاصّة يوم 17/7/1957 (الرائد الرسميّ عدد 58 تاريخ 19/7/1957) و يجب التذكير بأنّ الرأي العام استبشر بهذا القرار آنذاك للأسف.
هكذا تمكّن الفكر المتغرّب المعادي للإسلام بأن يحرم المسلمين من ثواب تحبيس أملاكهم في سبيل فعل الخير. فأوّل فصل من الأمر المذكور نصّه هو “يُمنع التحبيس الخاصّ و التحبيس المشترك و يُعتبر لاغيا كلّ تحبيس من هذا القبيل”. ليس هناك في العالم بلد سنّ مثل هذا القانون. هكذا انفردت تونس من بين جميع دول العالم بمنع مواطنيها عن باب من أبواب فعل الخير!
هذا و في نفس الوقت, سواء تحت النظام البورقيبي أو النوفمبري, تُرخّص الدولة التونسيّة للأحباس الأجنبيّة النصرانيّة أو اليهوديّة, وهي تُسمّى عندهم fondation ومبدؤها هو تحبيس ثمرات الأملاك لأغراض خيريّة, مثل الأحباس الإسلاميّة, تُرخّص لها الدولة التونسيّة أن تنشط في تونس و تتصدّق على الناس و توزّع الإعانات و تموّل الدراسات و العلوم. مثلا Freedom House Tunisia أو La Fondation Friedrich Naumann أو غيرها.
الذين أصدروا هذا الأمر في إلغاء الأحباس إنّما يجهلون أنّ بلاد الغرب, و خاصّة الأنقليز و الأمريكان و الألمان, قد بنت قوّتها العلميّة و الاقتصاديّة انطلاقا من دعم أحباسها لمشاريعها. في الولايات المتّحدة تكون الأحباس ناشطة خاصّة في الميدان العلمي, مثلا The Cowles Foundation وهي التي موّلت أهمّ الأبحاث في علم الاقتصاد منذ عقود, منها النظريّة الاقتصاديّة الرياضيّة حول التوازن الاقتصادي العام, وهي النظريّة التي يرتكز عليها أغلب إقتصادات العالم اليوم.
نضيف المؤسّسة السويديّة التي تُعطي جائزة نوبل الغنيّة عن التعريف The Nobel Foundation
لم نجن شيئا من إلغاء و منع الأحباس في تونس. بالعكس, نتج عنه توجيه الأموال نحو الاستهلاك و البذخ و تعميق الفوارق الاجتماعيّة, عوض العلوم و التضامن الاجتماعي. و نتج عنه إثقال كاهل الدولة التي لم تعد قادرة على توفير حقوق الفقراء.
اليوم بإمكاننا إصلاح هذا الخطأ الذي ارتكبه النظام البورقيبي و تمادى فيه النظام النوفمبري. يمكننا إصدار قانون يُرخّص من جديد تحبيس الأملاك, كما هو في سنّة الطبقات الأولى من المسلمين إلى يوم 17/7/1957. بل أنّ نظام الأحباس من الابتكارات المفيدة للماليّة الإسلاميّة التي اتّبعها الغرب واستفاد منها و اشتدّ عوده بها و نحن حرّمناها على أنفسنا!
لقد ادّعى مناصرو إلغاء الأحباس أنّه يمكن للناس التصدّق بأموالهم للمصلحة العامّة عوض تحبيس أموالهم. و لكن شتان بين التبرّع بأموال للمصلحة العامّة و تحبيسها لأغراض خيريّة إذ أنّ التبرّع لا يضمن ديمومة العمل الصالح و ينتهي حالما تُنفق المبالغ المتبرّع بها. في حين أنّ تحبيس الأموال يمكّن من تكوين رأس مال يقع استثماره في مشروع منتج و قارّ, مثل مزرعة زيتون أو شركة صناعيّة. و يقع توظيف أرباح المشروع السنويّة للأغراض الخيريّة بحيث يتواصل العمل الخيري طالما تواصل نشاط المشروع المنتج و يقع هكذا ضمان ديمومة الأعمال الخيريّة. بالفعل, على سبيل المثال, قد تواصل عمل حبس جامع الزيتونة عدّة قرون و كانت أمواله مستثمَرة خاصّة في مزارع زيتون قريبة من العاصمة.
مع الأسف الذين جحدوا في جدوى نظام الأحباس لم يستطيعوا استيعاب هذا الفرق بين التبرّع و التحبيس, وهو ضمان ديمومة المنفعة على المدى الطويل. هذا رغم أنّ أجدادنا هم الذين ابتكروا هذا النظام و الغرب أخذه منّا و نحن نلغيه و نمنعه!
اليوم يجب علينا رفع هذا الخطأ القاتل لحضارتنا المتمثّل في أمر 17/7/1957 كي يعود مجتمعنا إلى التضامن و التراحم و يبارك لنا الله و يرتفع المستوى الأخلاقي و العلمي. فلولا الأحباس التي وفّرت الإمكانيّات و الظروف الملائمة للعلماء لما كتب ابن رشد شرحه لأرسطو و هذا الشرح هو نقطة انطلاق النهضة الفلسفيّة الغربيّة, و لما كتب ابن خلدون مقدّمته التي يعتبرها اليوم العديد من علماء الغرب الحجر الأساسي لعلم الاقتصاد و الاجتماع و فلسفة التاريخ, و لا كتب ابن الجزار كتابه “زاد المسافر” الذي يُعتبر أيضا في الغرب من الكتب المؤسّسة لعلم الطبّ و قد تُرجم إلى اللاتنيّة منذ العصور الوسطى و درّس في الغرب.
إنّ موضوع الترخيص بتحبيس الأموال لا يلزم أن يكون متّصلا بموضوع استرجاع الأحباس الملغاة بأمر 1957, حيث أنّ استرجاع الأحباس القديمة قضيّة معقّدة قد تتطلّب وقت طويل و تثير خلافات لسنا في حاجة لها اليوم. من الأفضل أن نطوي صفحة الماضي و نقبل الوضع الذي أدّى إليه أمر 1957. و لكن هذا لا يمنع أن نرخّص الآن لمن يريد تحبيس أمواله لغرض خيريّ طلبا للثواب من عند الله.
يمكن أن يوفّر الترخيص في تحبيس الأموال فرصة لرجال الأموال الذين استفادوا من النظام السابق, أن يُزكّوا أموالهم و يُشاركوا في إعادة بناء المجتمع و الاقتصاد التونسيّ و تكميد جراحه. مثلا إذا حبّس كلّ من كوّن ثروة تحت النظام السابق, 20% فقط من ثورته لفائدة عمل خيريّ غير هادف للربح مثل تحسين مستوى تعليم الجهات المهمّشة أو مستوى الخدمات الصحيّة أو الاجتماعيّة… فلا شكّ أنّ هذا سيوفّر طاقات هائلة لإصلاح أوضاع مجتمعنا. و لا استبعد أن نتوصّل إلى 1000 مليار (من المليمات) مسخّرة لتحسين العلوم و لخدمة الفئات الضعيفة.
هذا الحلّ أفضل من فرض غرامة ماليّة لأنّ الأموال التي ستجمعها الدولة بعنوان الغرامة سوف لن تستطيع التحكّم فيها و ستُهدر بسبب عقليّة “رزق البيليك” و لن يكون لآثارها ديمومة كما بيّنّاه. بينما الأموال المُحبّسة لن تزول بزوال صاحبها و تتواصل منفعتها جيل بعد جيل. و تكون إدارتها أكثر جديّة بسبب حرص أصحاب الحبس على حسن استعمال الأموال. و تُضمَن المنفعة العامّة بفرض الشفافيّة التامة في استعمال أموال الحبس و كشف حساباته للعموم ليتمكّن الرأي العام من التحقّق بأنّ الأموال تُصرف فعلا طبقا للأهداف المُعلنة عند بعث الحبس.
و هكذا ستقوى الصلة بين أصحاب الأموال و عامّة الناس و ستذهب النقم و يزول حسد الضعفاء و كِبر الأغنياء ستطهر القلوب و يُصبح الغنيّ أكثر حرصا على المزيد من تمويل الأعمال الخيريّة لأنّه سيشعر بأنّه أصبح موقّرا و محبوبا من طرف أبناء جلدته و سيوفّر له ذالك راحة نفسيّة لم تكن توفّرها له أمواله على كثرتها. و يُصبح الفقير أكثر حرصا على إتقان عمله لأنّه سيشعر أنّه يخدم نظاما يرأف بحاله و يحرص على مصالحه. و سوف يخفّف ذالك ما تتحمّله الدولة من مصاريف للنهوض بالفئات الضعيفة و ما تعانيه من اضطرابات اجتماعيّة و أمنيّة. في حين أنّ الغرامة ستقوّي الأحقاد و التبذير و التهرّب الجبائي و الرشوة.
الكلّ رابح من إعادة ترخيص الأحباس!
فهلمّ يا حكومة و يا مجلس تأسيسي بإصدار قانون للترخيص في تحبيس الأموال!
هذا القانون يكفي أن يتكوّن من فصل واحد وهو: “يرخّص لمن يشاء أن يحبّس جزءا من أمواله و أملاكه للقيام بعمل خيريّ غير هادف للربح و يحدّد العمل الخيريّ في القانون الأساسي للحبس و يلتزم الحبس بتوظيف أمواله في خدمة هذا العمل و في الكشف عن جميع حساباته ليتمكّن الرأي العام من التحقّق أنّ أموال الحبس تستعمل فعلا في سبيل العمل الخيريّ المُعلن”. هل هذا صعب؟