الإسلاميّون و أسباب الصّعود : الجزء الأوّل الأسباب الذاتية


| يناير 29, 2012 على الساعة 22:00 | عدد المشاهدات: 96
التصنيفات: مقالات أعضاء هيئة التحرير, مقالات رأي,

المشهد التونسي – رأي – أسامة ذياب

في الوقت الذي كان فيه “حزب توة”يقول أنّه “سيهزم النّهضة” وفي الوقت الذي كان فيه المعارض الفذّ الأينوبلي يتوعّد بأنّه ورفاقه “سيدخلون الإنتخابات حُفاة عُراة و سيفوزون”, وعندما  كان فيه نجيب الشابي يخرج علينا في شاشات التّلفاز بكلّ كبرياء ليخبرنا أنّ حزبه هو المنافس المباشر لحركة النّهضة، كان الشعور بداخلي أنّني أمام سياسيين يمارسون الكوميديا أكثر ممّا يمارسون السياسة . ربّما تنطبق عليهم مقولة القصيمي ” النّاس لا يتحدّثون في الأشياء كما هي بل كما يريدونها” و ربّما هي النّرجسية التي تعمينا عن قراءة موضوعية لأبسط المعطيات و ما يمكن أن تؤول إليه من نتائج طبيعية .

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الإنتصار النهضوي كان وليد عوامل عديدة و لم يأت من فراغ و لم يشكّل مفاجأة بأيّ حال من الأحوال. في هذا المقال سأتناول مجموعة من الاسباب الذاتيّة (أي في علاقة بالحركة ذاتها) التي ساهمت في هذا الفوز العريض للتيّار الإسلاميّ .

إنّ من يذكر حركة النّهضة لا يستطيع بحال من الأحوال تجاهل مسألة مهمّة جدّا وهي مسألة قوّة التّنظيم.

فالنّهضة تملك قدرة تنظيمية متفوّقة جدّا على بقيّة الأحزاب التّونسيّة (تماما مثل كلّ فروع الإخوان المسلمين و الحركات الإسلاميّة في الوطن العربي) وعندما أقول قوّة تنظيم فنحن نتحدّث عن مجالين، افتراضي و واقعي.

أمّا الإفتراضي، فلقد أحكم أنصار النّهضة السّيطرة على الإنترنت و خاصّة الشّبكة الإجتماعيّة الأكبر في تونس فايسبوك، حيث أنشؤوا مئات الصّفحات الدّعائيّة للحركة المروّجة لأفكارها . هذه الصّفحات كان لها الأثر البالغ في التّأثير على من لا آراء سياسية لهم أو من لا يفقهون السياسة كثيرا خاصّة من فئة الشّباب (و هم كثر في تونس بعد فترة التجهيل السياسي التي فرضها النّظام السابق ) فاستطاعوا استقطابهم و تحوّلوا هم بدورهم لـ”جنود” دعاية للحركة و أهدافها.

و أمّا واقعا فسيطرة حركة النّهضة لا تقلّ بحال من الأحوال على الإفتراضي، إذ تمتلك الحركة شبكة قوّية وواسعة في كامل فروع الجمهورية من مدن وقرى ومعتمديات، تماما عكس الأحزاب الأخرى التي يقتصر ظهورها على بعض المدن الكبرى و في أحسن الحالات فرع لكلّ مدينة في الجمهوريّة. هذه الشّبكة تقوم بعقد اجتماعات مكثّفة للحركة ممّا يشكّل ضمانا لإستقطاب أكبر عدد من الناس الذين حالت ظروفهم الإجتماعية و مشاكل الحياة أن يفكّروا في السّياسة و هي شريحة تعدّ مئات الآلاف إن لم تصلهم بقوّة تنظيمك تلك، فلا تأمل أن تصل إليك أصواتهم .

النّقطة الثانية هي العمل الإجتماعي الذي تقوم به الحركة، وهو يمثل نقطة في غاية من الأهمّية وهو مفتاح النجاح السياسي، و أعتقد أنّه (العمل الإجتماعي) هو ميزة حركة الإخوان المسلمين و فروعها. فلا سياسي بدون اجتماعي، و الحزب أو الحركة الذي تريد ممارسة السياسة دون ممارسة العمل الإجتماعي هي تقفز على واقع النّاس و همومهم و لا تُدرك جيّدا ما يُريد هؤلاء. و هذا ما فهمته الحركات الإسلامية و عجزت عن فهمه بقيّة القوى ليبرالية كانت أو حتّى يساريّة و هي التي يُفترض أن تكون أحقّ بذلك..

ففي الفترة الفاصلة ما بين سقوط الرّئيس بن علي والإنتخابات، كانت حركة النّهضة محتكّة  بالجماهير أكثر من غيرها و مهتمّة بالقضايا المعيشية و المعونات للفئات المعوزة و هذا أخذ أشكالا متعدّدة (مساعدات , حفلات زواج , ختان..). و إن اختلفنا في تأويل هذا العمل و نواياه كلّ بحسب موقعنا فإنّنا لا نختلف أنّ الإلتصاق بالجماهير هو أحد أهمّ العوامل في تفوّق الحركات الإسلامية على بقيّة الأحزاب من حيث الدّعم الشّعبي و حركة النّهضة في تونس لم تشذّ عن ذلك..

النقطة الثالثة هو الرّصيد النّضالي للحركة فالذّاكرة التونسية ليست بضعيفة و تعرف جيّدا المعاناة التّي أتت على كوادر الحركة و نشطائها. هذه المعاناة أصبحت اليوم بمثابة شفيع لها و جعلت من الحركة تكسب تعاطفا كبيرا سواء من أبنائها أو حتّى ممّن لا ينتمون لها قبل اي فعل سياسي و حتّى قبل الإدلاء ببرنامج. لذلك فإنّ برنامج النّهضة و إن كان ملمّا و مفصّلا (حسب رأيي) في نقاطه اكثر من بقيّة الأحزاب (مع تحفّظ على توجّهاته الإقتصاديّة) إلاّ أنّه لم يكن بتاتا عاملا رئيسيا في اختيار النّاس للحركة و الدّليل على ذلك أنّ هناك شريحة كبيرة حسمت أمرها بالتصويت للحركة قبل أن يصدر برنامجها و قبل معرفة كيف ستكون توجّهاتها السياسية و الإقتصادية. بمعنى آخر أنّ الحافز الأيديولوجي هو من لعب دورا فعّالا في اختيار الحركة من سواها على الأقل بالنسبة لأغلب التونسيين و ليس برنامجها و هذا أمر لا يُنكره إلاّ مماحك ..

رابعا و هي النُقطة الأهمّ في رأيي وتتمثّل في الخطاب النهضاوي و سأتطرّق لهذا الخطاب من جانبين سمتُه و مضمونه.

أوّلا سمتُه: خطاب مُعتدل و جامع.

فلقد سوّقت حركة النّهضة في حملتها الإنتخابيّة خطابا معتدلا و متسامحا مع المخالفين السياسيين و طبعا هو يعكس فكر الحركة المعتدل نسبيا مقارنة بنظيراتها من الحركات الإسلامية .. فنحن أمام حركة يُمكن أن نصطلح عليها بـ”بوست اخوان” أي ما بعد الإخوان فكريا. و إن اختلفنا في تقييم اعتدال خطاب  الحركة، هل هو تكتيكيّ (نتيجة الضّغط الذي تعيشه الحركة على اعتبار مخاوف الآخرين المشروعة منها) أم يعود لطبيعتها (فالأمر نسبيّ يختلف باختلاف مواقعنا) إلاّ أنّنا لا نشكّ على الأقلّ أنّ خطابها في الفترة التّحضيرية للإنتخابات كان كذلك .. إلى درجة أنّه أحيانا المبالغة في ترويج هذا النّوع من الخطاب كان مفاجئا ليس فقط لبعض أنصار الحركة الأكثر راديكالية إذ اعتبروه “انبطاحا” لا مبرّرا، بل كان مفاجئا أيضا للمعارضين حيث وجدوا أنفسهم أمام حركة أحيانا تفوقهم في الدّيمقراطيّة و الإعتدال كلّما أرادوا احراجها. و لا أدلّ على ذلك من مسألة التناصف التي كانت وسيلة لاختبار الحركة واحراجها فانقلبت إلى نقطة تُحسب لها .

أمّا بخصوص الخطاب الجامع فهذه أيضا نُقطة ذكيّة تُحسب لحركة النّهضة حيث أنّ خطابها لم يرسم حدودا فكريّة واضحة و صارمة فكلّ ما يعرفه غالبيّة المجتمع التّونسيّ أنّ حركة النّهضة هي حركة اسلاميّة و انتهى، و هذا كائن له أثر ايجابي جدّا في حشد أكبر عدد من أنصار التّوجّه الإسلامي المعتدل و الأكثر راديكالية. فهذا الخطاب الجامع كانت له قدرة استقطابية قويّة جدّا (و إن كان سيُسهم في اعتقادي في خلق مسألة أخرى و هي خلق شقّين داخل حركة واحدة لكن ليس موضوعنا لتناوله بالتّحليل الآن).

 ثانيا مضمونه : هو خطاب هُوَويّ بامتياز .

و هل هناك شيء يُمكن أن يستفزّ مشاعر الإنسان أكثر من هويّته الثقافية بكافّة مكوّناتها من دين و لغة و انتماء و حضارة؟

إنّ الخطاب الهُووي يستفزّ المثقّفين فما بالك بالعامّة كيف لا يستفزّ مشاعرهم وكيف لا ينحازون إليه. إنّ الإعتزاز بالهويّة شيء مشروع و ايجابي بل طبيعي، لكن المبالغة فيه على حساب أشياء أخرى وجعله مصدر استقطاب رئيسي يجعل من أحكامنا و اختياراتنا تبتعد عن العقل بقدر انحيازنا للعواطف. طبعا لا أعني أنّ منتخبي النّهضة لا عقلانيّة لهم، لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ الخطاب الهُووي على حساب الحديث عن البرنامج و الحلول الإقتصادية لواقع أليم كان سببا في الثّورة. هو ابتزاز فاضح خضع له كثيرون أحيانا بوعي و كثيرا بغير وعي. وهذا الخطاب الإبتزازي لم تسقط فيه حركة النّهضة فقط بل حتّى الطّرف الآخر و إن كان بآداة مغايرة و هي الحداثة.

إنّ الإستقطاب الهُووي ليس بالضّرورة أن يُمارس من الحركة في شقّها الرّسميّ بل قد يمارس عن طريق القواعد أكثر من القيادات ذاتها .., إنّه يمَارس على أروقة الإفتراضي في كلّ زاوية من الفايسبوك، و في الواقع مع المصلّين في المساجد لا بل حتّى مع المواطنين العاديين الذين يرون أنّهم حرموا من حرّياتهم الدينية .. إن الخطاب الهُووي يستفزّ مشاعرهم و يزيد من تعطّشهم  إلى العودة إلى ما يُسموّنه “حاضنتهم الحضاريّة الطّبيعية بمكوّناتها الثقافية من عروبة و اسلام” ويشدّهم إليها في ذلك اللاّوعي قبل الوعي ذاته. كيف لا و قد خلت عقود من سياسة تجفيف المنابع و التّغريب…



cc
هذا المقال مرخص له من المشاع الإبداعي: نسب | غير تجاري | لا اشتقاق... قد تنطبق شروط اخرى.

6 مشاركات

ملاحظة: التعليقات المدرجة و إن كانت تخضع لنظام المراقبة إلا أنها تبقى ملكا لأصحابها و لا تمثل ضرورة وجهة نظر هيئة التحرير

  1. حسين قال:

    الجانب الاجتماعي مبالغ فيه لكون كاتب المقال عمم بعض الأعمال الاجتماعية لمنتسبي النهضة تم التوقف عنها حينما وجهت دعوات للتفريق بين العمل الاجتماعي والنشاط السياسي.

    مسألة الهوية ليست ابتزازا بل استجابة لحاجة شعبية يوغل البعض في احتقارها، فالحرية الدينية والرجوع إلى مقومات هوية حقيقية هي مشاغل شعبية لا تقل أهمية عن الحاجة للعمل وكسب القوت والصحة والتعليم والترفيه وغيرها.

    لكن التحليل يبقى مع ذلك جيد جدا.

  2. tounsi66 قال:

    من السابق لأوانه الحديث عن نجاح أو فشل الاسلاميين أما عن النجاح الانتخابات فإنهم كانوا مؤهلين للفوز منذ التسعينات وكانوا أنذاك بين قوسين أو أدنى من السلطة مما عجل ببن علي للإنقضاض عليها وفي تونس الآن هناك حزبان فقط حزب الدستور وحزب النهضة ولما تم حل حزب الدستور لم تبقى الا النهضة وهذا الأمر سيعجل برجوع حزب الدستور تحت أشكال أخرى لإستعادة مركزه ( مبادرة االسيبسي مثلا )

    وفي الأخير أؤكد أن محنة السلطة ستكون أشد وطأة من محنة التشريد و السجون لتيار النهضة

  3. عبد السّلام الحمدي قال:

    هذا المقال على قدر كبير من الموضوعيّة ، وبودّي أن أضيف عاملا آخر إلى جملة العوامل المذكورة فيه ، ويتمثّل في بيداغوجيا التّعامل مع المواطن العادي ، ذلك أنّ مناضلي حركة النّهضة يبدون تواضعا جمّا في الخطاب ، سواء على شاشات التّلفاز وعلى صفحات الجرائد وخلال الاتّصال المباشر ، فهم لا يَبدون في مظهر من يعطي دروسا في السّياسة والدّيمقراطيّة وغيرهما ، بل يظهرون في صورة المستمع إلى مشاغل النّاس والمتعاطف معهم ، خلافا لسلوك كثير من خصومهم السّياسيّين ، ولاسيّما أولئك المدافعين عن الحداثة ، فالاستعلاء سمة جليّة في خطابهم ، وإعطاء الدّروس في الدّيمقراطيّة والحرّيّة وغيرهما على نحو يشعر مستمعيهم بضرب من الاحتقار يمثّل واحدا من أهمّ العوائق البيداغوجيّة في التّعامل مع الجمهور . أمّا اليسار من نوع الحزب العمّالي الشّيوعيّ مثلا ، فالمشكلة تتعلّق بالإيديولوجيا الّتي يحملها ، إذ يبدو أنّها غير مستساغة في البيئة الاجتماعيّة التّونسيّة …

  4. محمد قال:

    أحيي القناة الخاصة ماعلينا في إسمها و أحيي اليساريين بمعظمهم و أحيي السينيمائيين المحترفين منهم و الهواة و أحيي كل من ساهم في نجاح النهضة و جعل الشعب متخوفا على دينه و هويته
    كيف لا و قد ساندوا فلم لا ربي لا سيدي، كيف لا و قد ساندوا تجسيد المولى عز و جل، كيف لا و قد قالوا تونس لائكية، كيف لا و قد كانوا يقولون في عهد المخلوع أن الحجاب لباس طائفي … كيف و كيف

    لا بد لليسار أن يستفيق .. لا يجب أن تُرى على أنك إبن فرنسا و على أنك بورجوازي و على أنك ملحد أو لائكي وسط شعب مسلم. بغض النظر عن حرية التعبير و عن الحرية الشخصية. إذا أردت التمسك بالحرية تلك فتقبل عزيزي اليساري، …… الأصفار على يمين الفاصل …

    لا أريد الحديث عن أنك لا يجب أن تُرى كمعطل و كمجهض للحكومة المنتخبة لأن في ذلك يطول الحديث …

  5. مقال باهي :) لكن هذا ما اعتبره نقائص في التحليل:
    1: أنك لم تفرق بين الحركات الإسلامية في الوطن العربي التي كانت لها مساحة للعمل رغم التضيقات وحركة النهضة التي كان وجودها على الأرض قبيل الثورة شبه منعدم، لذا جانب العمل الإجتماعي هو غير تأثير، لأن هذا العمل يتطلب سنوات من العمل الميداني حتى تجني ثماره السياسية.
    2: ركزت على نقطة خطاب الهوية في حين أن النهضة لم تسقط في هذا الخطاب ولم تكن المبتدئة به ولو كان الأمر كذلك لحسب ضدها بإعتبارها تخوف من تأثير معارضيها على ألهوية، لكن العكس هو الصحيح فمعارضو النهضة هم من خوف الشعب على هويته بفتح هذا الموضوع وبالتخويف على مكاسب الحداثة.
    3: هناك نقطة اعتبرها أهم من الحداثة وهي التي تفسر التصويت للنهضة إذ تفسر التصويت على أساس ديني، وهي مقاومة الفساد، فعندما تصوت المتدين معروف بالصلاح أنت ترجو ألا يكون فاسدا ويحارب الفساد، أقول طبعا ترجو. وهذا ما حصل في الانتخابات الفلسطينية تماما وهي نقطة الإلتقاء الوحيدة بين المثالين التونسي والفلسطيني، فليس عندهم مشكل هوية (نسبيا) وليس عندنا مشروع مقاومة مسلحة